اصول العقيدة خمسة اولهما التوحيد و الثاني العدل و الثالث النبوة و الرابع الامامة و الخامس المعاد

التوحيد


 

إثبات الإله الواحد


هل للكون إله خلقه ونظمه؟

هذا سؤال يدور بخلد كثير، وخصوصا الشبيبة: يا ترى! لنا إله خلقنا؟ كما يقول المؤمنون، أم هذا شعور تبع المجتمع، وخضوع لمجهول خلقه ضعف الإنسان في القرون الوسطى وما قبلها؟

إن الإجابة على هذا السؤال ليس صعباً، وإن استصعبه المؤمنون بتوسيع المجالات الفلسفية وتبعيد الطريق الموصل إليه، والملحدون بتكوين الشبهات المختلفة، وترتيب المغالطات السفسطية.

هل رأيت بناء بغير مهندس وبنّاء؟

أم هل رأيت مصنوعاً بغير صانع؟

إن عقرب الساعة وإن كان في غاية الصغر لابد وأن يكون له صانع، فكيف بالعالم الوسيع، الذي يلف بين جوانحه شمساً مضيئةً وقمراً منيراً، وماءً وهواءً، وأرضاً ونباتاً، وحيواناً وإنساناً.

كلٌّ تحت النظام، ولا يحيد عن القانون العام شيء إلا فسد وأفسد.

هل النظام من قبل نفسه، أم ليس له منظّم؟

كلا! لا يقوم نظام إلا بمنظّم، ولا تتكون حركة إلا بمحرك، ولا يكون شيء إلا بصانع.

فالمنظم هو الله تعالى، والمحرك هو الله سبحانه، والصناع هو الله عز وجل.

وقد ألمع القرآن الحكيم إلى هذا الأمر الفطري في عدة آيات:

قال تعالى: (إن في خلق السماوات والأرض واختلاف الليل والنهار والفلك التي تجري في البحر بما ينفع الناس وما أنزل الله من السماء من ماء فأحيا به الأرض بعد موتها وبثّ فيها من كل دابة وتصريف الرياح والسحاب المسخر بين السماء والأرض لآيات لقوم يعقلون) البقرة: 164.

وقال سبحانه: (الله الذي رفع السماوات بغير عمد ترونها ثم استوى على العرش وسخر الشمس والقمر كل يجري لأجل مسمى يدبر الأمر يفصل الآيات لعلكم بلقاء ربكم توقنون وهو الذي مد الأرض وجعل فيها رواسي وأنهاراً ومن كل الثمرات جعل فيها زوجين اثنين يغشي الليل النهار إن في ذلك لآيات لقوم يتفكرون وفي الأرض قطع متجاورات وجنات من أعناب وزرع ونخيل صنوان وغير صنوان يسقى بماء واحد ونفضّل بعضها على بعض في الأكل إن في ذلك لآيات لقوم يعقلون) الرعد: 2-4.

وقال عز وجل: (الله الذي خلق السماوات والأرض وأنزل من السماء ماءً فأخرج به من الثمرات رزقاً لكم وسخر لكم الفلك لتجري في البحر بأمره وسخر لكم الأنهار وسخر لكم الشمس والقمر دائبين وسخر لكم الليل والنهار وآتاكم من كل ما سألتموه وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها إن الإنسان لظلوم كفار) إبراهيم: 32-34.

وقال رجل للإمام الصادق (عليه السلام): ما الدليل على صانع العالم؟

فقال الإمام الصادق (عليه السلام): (وجود الأفاعيل على أن صانعها صنعها، ألا ترى إذا نظرت إلى بناء مشيد مبني، علمت أن له بانياً، وإن كنت لم ترى الباني ولم تشاهده) (الاحتجاج، ص332).

ودخل أبو عبد الله الديصاني ـ وهو زنديق ـ على الإمام الصادق (عليه السلام) فقال له: يا جعفر بن محمد! دلني على معبودي!

فقال الإمام الصادق (عليه السلام): اجلس، فإذا غلام صغير في كفه بيضة يلعب بها..

فقال الإمام الصادق (عليه السلام): ناولني يا غلام البيضة!

فناوله إياها.

فقال الإمام الصادق (عليه السلام): (يا ديصاني هذا حصن مكنون، له جلد غليظ، وتحت الجلد الغليظ جلد رقيق، وتحت الجلد الرقيق ذهبة مائعة وفضة ذائبة... لا يدرى أللذكر خلقت أم للأنثى، تنفلق عن مثل ألوان الطواويس، أترى لها مدبراً؟!).

فأطرق ملياً! ثم قال: أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله وأنك إمام وحجة من الله على خلقه وأنا تائب مما كنت فيه. (الاحتجاج، ص333).


 

إثبات التوحيد


هل لهذا الكون الرحب إله واحد، أم إلهان، أم أكثر؟

يقول بعض الفرق: الإله اثنان.

وتقول فرقة أخرى: الإله ثلاثة.

وهناك شواذ يقولون: بأن الإله أكثر، وأكثر..

الإجابة على هذا السؤال بسيط، وطبعاً يجيب كل موحد أن الإله واحد.

وما الدليل على ذلك؟


 

من هو الشريك؟


- أولاً: نستفهم من الذين يقولون بتعدد الإله: من هو شريك الإله؟

1. يجيب الثنوية: الإلهان هما النور والظلمة.

نقول: النور مخلوق ممكن فلا يكون إلهاً، والظلمة مخلوقة ممكنة، فلا تكون إلهاً، إذاً فمن يقول بتعدد الإله بهذه الحجة، قوله ساقط.

2. يجيب النصارى: الآلهة هم الله والمسيح وروح القدس.

نقول: المسيح (عليه السلام) كان بشراً والبشر لا يكون إلهاً. وما هو روح القدس وما الدليل على كونه إلهاً؟ وما الفرق بين روح القدس وسائر الملائكة؟ حتى احتجز هو وحده بينهم كرسي الألوهية؟

3. يجيب المشركون: الأصنام هي الآلهة، وهي شريكة لله!

وعبدة الأبقار يقولون: إن الشريك للإله هي الأبقار!

نقول: هل الصخرة الصماء التي هي في مرتبة أنزل من الحيوان تصلح للألوهية؟

أم هل البقرة العجماء التي هي في مرتبة أنزل من الإنسان تصلح للألوهية؟

إن هذه الأقوال عند العقلاء ما هي إلا خرافة لا تستحق التدوين والمذاكرة.

وقد عرض القرآن هذه الآراء التائهة عرضاً سريعاً منبهاً لما فيها من الخرافة والسخافة.

قال تعالى: (ومن يشرك بالله فقد ضل ضلالاً بعيداً إن يدعون من دونه إلا إناثاً) أي أصناماً هي اللات والعزى ومناة. (وإن يدعون إلا شيطاناً مريداً) النساء: 116-117.

وقال سبحانه: (قل يا أيها الناس إن كنتم في شك من ديني فلا أعبد الذين تعبدون من دون الله ولكن أعبد الله الذي يتوفاكم وأمرت أن أكون من المؤمنين وأن أقم وجهك للدين حنيفاً ولا تكونن من المشركين ولا تدع من دون الله ما لا ينفعك ولا يضرك فإن فعلت فإنك إذاً من الظالمين) يونس: 104-106.

وقال عز وجل: (وقال الله لا تتخذوا إلهين اثنين إنما هو إله واحد فإياي فارهبون) النحل: 51.

وقال تعالى: (لقد كفر الذين قالوا إن الله هو المسيح ابن مريم) المائدة: 17.

وقال سبحانه: (لقد كفر الذين قالوا إن الله ثالث ثلاثة وما من إله إلا إله واحد) المائدة: 73.

وقال عز وجل: (ما المسيح ابن مريم إلا رسول قد خلت من قبله الرسل وأمه صديقة كانا يأكلان الطعام) المائدة: 75.

وقال تعالى: (قل فمن يملك من الله شيئاً إن أراد أن يهلك المسيح ابن مريم وأمه ومن في الأرض جميعاً) المائدة: 17.


 

فساد العالم


- ثانياً: نقول لو كان في العالم أكثر من إله واحد، لزم التنازع والتشاجر بين الآلهة، وفسد نظام العالم، فإذا أراد هذا الإله شيئاً، وأراد الإله الآخر ما ينافيه، تشاجر الإلهان، فأفسدا العالم.

فعدم الفساد يدل على وحدة الإله.


 

النظام الموحّد


- ثالثا: نظام العالم نظام موحد، يرتبط كل شيء منه بالشيء الآخر، فلولا الماء لم يكن النبات، ولولا النبات لم يكن الحيوان، ولا النبات والحيوان لم يكن الإنسان.

ولولا الشمس لم يكن موجود حي ولولا الهواء لم يعقل وجود شيء نامي.

حتى أن العلماء يذكرون أن بقاء الإنسان يرتبط ارتباطاً وثيقاً بخوافي أجنحة الطير، فلولا الخوافي لم تكن قوادم، ولولا القوادم لم يطر طائر، ولولا الطير لامتلأ الهواء والأرض بالهوام التي تفسد الزرع والضرع، وبفسادهما يهلك الإنسان..

والنظام الموحّد، لا يكون إلا من إله واحد.


 

لزوم التعريف


- رابعاً: لو كان إله آخر، لزم أن يعرّف نفسه، وتظهر آثار ملكه، لكنا لم نعرف عن ذلك شيئاً، فليس في الكون إله ثان.

وقد أشار القرآن الحكيم إلى طرف من الاستدلال:

قال تعالى: (ما اتخذ الله من ولد وما كان معه من إله إذاً لذهب كل إله بما خلق ولعلا بعضهم على بعض سبحان الله عما يصفون) المؤمنون: 91.

وقال سبحانه: (لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا فسبحان الله رب العرش عما يصفون) الأنبياء: 22.

وقال عز وجل: (قل الحمد لله وسلام على عباده الذين اصطفى أآلله خير أما يشركون أم من خلق السماوات والأرض وأنزل لكم من السماء ماءً فأنبتنا به حدائق ذات بهجة ما كان لكم أن تنبتوا شجرها أإله مع الله بل هم قوم يعدلون أم من جعل الأرض قراراً وجعل خلالها أنهاراً وجعل لها رواسي وجعل بين البحرين حاجزاً أإله مع الله بل أكثرهم لا يعلمون أم من يجيب المضطر إذا دعاه ويكشف السوء ويجعلكم خلفاء الأرض أإله مع الله قليلاً ما تذكرون أم من يهديكم في ظلمات البر والبحر ومن يرسل الرياح بشراً بين يدي رحمته أإله مع الله تعالى الله عما يشركون أم من يبدأ الخلق ثم يعيده ومن يرزقكم من السماء والأرض أإله مع الله قل هاتوا برهانكم إن كنتم صادقين) النمل: 59-64.

وقال رجل للإمام الصادق (عليه السلام): لم لا يجوز أن يكون صانع العالم أكثر من واحد؟

فقال الإمام الصادق (عليه السلام): (لا يخلو قولك أنهما اثنان من أن يكونا قديمين قويين، أو يكونا ضعيفين، أو يكون أحدهما قوياً والآخر ضعيفاً.

فإن كانا قويين، فلم لا يدفع كل واحد منهما صاحبه، وينفرد بالربوبية.

وإن زعمت أن أحدهما قوي والآخر ضعيف، ثبت أنه واحد، للعجز الظاهر في الثاني.

وإن قلت أنهما اثنان لم يخل: من أن يكونا متفقين من كل جهة، أو مفترقين من كل جهة، فلما رأينا الخلق منتظماً، والفلك جارياً، والتدبير واحداً، واختلاف الليل والنهار والشمس والقمر، دل صحة الأمر والتدبير، وائتلاف الأمر على أن المدبر واحد) (الاحتجاج، ص333).

وقد أفحم الإمام الرضا (عليه السلام)، رجلاً كان يقول بوجود إلهين بدليل ظريف..

قال الرجل للإمام الرضا (عليه السلام): إني أقول إن صانع العالم اثنان، فما الدليل على أنه واحد؟

قال الإمام (عليه السلام): قولك أنه اثنان، دليل على أنه واحد، لأنك لم تدّعِ الثاني، إلا بعد إثباتك للواحد، فالواحد مجمع عليه، وأكثر من واحد مختلف فيه) (التوحيد، ص269).

وقال الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام) - في وصيته لولده الإمام الحسن (عليه السلام) أو محمد بن الحنفية، على اختلاف الرواية - :

(واعلم يا بني أنه لو كان لربك شريك لأتتك رسله، ولرأيت آثار ملكه وسلطانه، ولعرفت صفته وفعاله، ولكنه إله واحد، كما وصف نفسه) (تحف العقول، ص72).


 

صفات الله عز وجل


العالِمٌ

الله يعلم كل شيء حتى عدد حبات الرمال وقطرات مياه البحار وما تخفي الصدور، وهو تعالى محيط بالماضي والحال والاستقبال.. فيعلم ما حدث وما هو كائن، ويعلم ما سيكون، لا يعتريه نسيان، ولا يسهو عن شيء.. لا فرق في علمه بين الجلي الواضح، والغامض الخفي.

وليس علمه مسبوقاً بالجهل، ولا ملحوقاً بالنسيان، فهو عالم بكل شيء منذ كان، ولا يزال عالماً إلى الأبد.

يعلم كل لفظ، وحركة شفة، ووجيب قلب، واختلاج جارحة، واستماع مسموع، وتذوق طعم، ولمس ملموس، ونظر عين...

ويدل على علمه: أنه صنع الأشياء المتقنة، وأبدع المخلوقات الجميلة مما لا يتم إلا بعلم، ولا يمكن أن يصنع إلا بدراية.

إن باني الدار الجميلة، لا يكون إلا مهندساً عليماً بالبناء، وصانع الماكنة المحكمة، لا يكون إلا عالماً بالفصل والتركيب، ومركب أجزاء الدواء لا يكون إلا صيدلياً خبيراً...

فكيف يمكن أن يكون صانع الإنسان بهذا الإتقان المدهش، والحيوان بهذه الكيفية المحيرة، وسائر المصنوعات بهذه الهيئات العجيبة جاهلاً؟

كلا! لا يكون ذلك.

يقول القرآن الكريم: (ألم تر أن الله يعلم ما في السماوات وما في الأرض ما يكون من نجوى ثلاثة إلا هو رابعهم ولا خمسة إلا هو سادسهم ولا أدنى من ذلك ولا أكثر إلا هو معهم أينما كانوا ثم ينبئهم بما عملوا يوم القيامة إن الله بكل شيء عليم) المجادلة: 7.

وقال تعالى: (وأسروا قولكم أو اجهروا به إنه عليم بذات الصدور ألا يعلم من خلق وهو اللطيف الخبير) الملك: 13-14.

وقال سبحانه: (وعنده مفاتح الغيب لا يعلمها إلا هو ويعلم ما في البر والبحر وما تسقط من ورقة إلا يعلمها ولا حبة في ظلمات الأرض ولا رطب ولا يابس إلا في كتاب مبين وهو الذي يتوفاكم بالليل ويعلم ما جرحتم بالنهار) الأنعام: 59-60.

وقال عز وجل: (وما تكون في شأن وما تتلو منه من قرآن ولا تعملون من عمل إلا كنا عليكم شهوداً إذ تفيضون فيه وما يعزب عن ربك من مثقال ذرة في الأرض ولا في السماء ولا أصغر من ذلك ولا أكبر إلا في كتاب مبين) يونس: 61.

وقال تعالى: (الله يعلم ما تحمل كل أنثى وما تغيض الأرحام وما تزداد وكل شيء عنده بمقدار عالم الغيب والشهادة الكبير المتعال سواء منكم من أسر القول ومن جهر به ومن هو مستخف بالليل وسارب بالنهار) الرعد: 8-10.

وقال أمير المؤمنين (عليه السلام): (يعلم بعجيج الوحوش في الفلوات، ومعاصي العباد في الخلوات، واختلاف النيات ـ الحيتان ـ في البحار الغامرات، وتلاطم الماء بالرياح العاصفات) (تحف العقول، ص72-73).

وقال أبو حازم للإمام الصادق (عليه السلام): أرأيت ما كان وما هو كائن إلى يوم القيامة، أليس كان في علم الله تعالى؟

فقال (عليه السلام): (بلى قبل أن يخلق السماوات والأرض) (التوحيد، ص135، ب العلم، ح5).

وقال الإمام الرضا (عليه السلام): (... لم يزل الله عز وجل علمه سابقاً للأشياء، قديماً قبل أن يخلقها، فتبارك ربنا وتعالى علواً كبيراً، خلق الأشياء وعلمه بها سابق لها، كما شاء كذلك لم يزل ربنا عليماً سميعاً بصيراً) (عيون أخبار الرضا (عليه السلام): ج1، ص118).

 

السميع البصير

لا يتجاذب الناس أطراف حديث، إلا ويسمع الله تعالى كلام كل واحد منهم، قبل أن يسمعه الآخر، ولا يلفظ أحد لفظاً إلا ويسمعه الله، ولو كان اللافظ وحده، في أعماق الأرض، أو أجواء السماء..

ولا يحف شجر، ولا يغرد طير، ولا يصرّ باب، ولا يضرب طبل، ولا يفرقع رعد.. إلا والله سبحانه يسمع، وإن لم يسمعه أحد.

بل، وإن كان الصوت من الضعف بحيث لا يتمكن أحد سماعه.

والله يبصر كل دقيق وجليل، وقبيح وجميل، وكل حركة وسكون، يبصر ما في الظلمات كما يبصر ما في النور، ويبصر ما في الغيب كما يبصر ما في الشهادة.

فهو بصير بكل مبصر، وناظر إلى كل منظور. يسع سمعه الأصوات. ويشمل بصره كل مبصر.

يقول القرآن الحكيم: (أم يحسبون أنا لا نسمع سرّهم ونجواهم بلى ورسلنا لديهم يكتبون) الزخرف: 80.

وقال تعالى: (قد سمع الله قول التي تجادلك في زوجها وتشتكي إلى الله والله يسمع تحاوركما إن الله سميع بصير) المجادلة: 1.

وقال سبحانه: (لا يحب الله الجهر بالسوء من القول إلا من ظلم وكان الله سميعاً عليماً) النساء: 148.

وقال عز وجل: (له غيب السماوات والأرض أبصر به وأسمع ما لهم من دونه من ولي ولا يشرك في حكمه أحداً) الكهف: 26.

وقال تعالى: (واعلموا أن الله بما تعملون بصير) البقرة: 233.

وقال الإمام الرضا (عليه السلام): (... لم يزل الله عز وجل عالماً قادراً حياً قديماً، سميعاً بصيراً بذاته..) (أمالي الشيخ الصدوق، ص278، ح5، المجلس27).

وهناك فرق بين كون الله سميعاً بصيراً، وبين كون الإنسان والحيوان كذلك.

إن الله سميع، ولكن لا بأذن وجارحة، وبصير ولكن لا بعين ومقلة، فهو يسمع الأشياء بذاته، ويبصر الأشياء بذاته.

إنه لو كان يسمع بإذن كآذاننا، أو يبصر بعين كعيوننا لكان محتاجاً إلى ذينك العضوين، والله ليس بمحتاج.

ولكان مركباً من أجزاء، والله ليس بمركب.

بل هو بسيط لا جزء له.

قال أبان للإمام الصادق جعفر بن محمد (عليهما السلام): أخبرني عن الله تبارك وتعالى، لم يزل سميعاً بصيراً، عليماً قادراً؟

قال (عليه السلام): نعم.

فقلت له: إن رجلاً ينتحل موالاتكم أهل البيت يقول: إن الله تبارك وتعالى لم يزل سميعاً بسمع، وبصيراً ببصر، وعليماً بعلم، وقادراً بقدرة.

قال: فغضب (عليه السلام) ثم قال: من قال ذلك ودان به فهو مشرك وليس من ولايتنا على شيء إن الله تبارك وتعالى ذات علامة، سميعة بصيرة قادرة) (أمالي الشيخ الصدوق، ص610، ح6، المجلس 89).

وقال (عليه السلام): (.. هو سميع بصير، سميع بغير جارحة وبصير بغير آلة، بل يسمع بنفسه، ويبصر بنفسه) (التوحيد، ص144).

 

القادر

هل رأيت الشمس صباحاً من مشرقها، ثم تغرب مساء في مغربها؟

هل رأيت النبات ينمو رويداً رويداً، حتى يثمر ويزهر، ويخضر ثم يصفر؟

هل رأيت الأمواج تتلاطم وتمور، وتسير وتدور؟

هل رأيت الحيوان ينعقد نطفة، ثم علقة، ثم مضغة، ثم لحماً وعظماً، ثم يولد ذا عين بصير، وأذن سميع، ولسان ناطق، وقلب خافق، وقامة معتدلة، وصفات مؤتلفة ومختلفة؟

هل رأيت الإنسان بأصنافه، والمعادن بأقسامها، والأنهار الجارية، والأسماك السابحة، والنجوم الزاهرة، والسحاب المثار، والبرق اللامع، والرعد القاصف..؟

هل رأيت الطائرة تطير، والقاطرة تسير، والباخرة تمخر، والسيارة تنهب الأرض، وتطوي الأبعاد؟

كل ذلك بقدرة الله، إن القدرة تضم بين جوانحها كل ما في الكون وتلفّ في ثناياها كل موجود.

بل تسع غير الموجود، فالله قادر على أن يخلق ويخلق، ويصنع ويصنع، فلا تحتكر الموجودات قدرته، ولا تضيّق المخلوقات سعته.

إن سيارة صغيرة تدل على قدرة صانعها، وباخرة ضئيلة تدل على أن مخترعها قدير.. فكيف لا يدل هذا الوجود الرحب، والكون الفسيح على قدرة خالقه العظيم؟!

ويلمح القرآن الحكيم إلى قدرة الله تعالى:

قال سبحانه: (قال اعلم إن الله على كل شيء قدير) البقرة: 259.

وقال تعالى: (وما كان الله ليعجزه من شيء في السماوات ولا في الأرض إنه كان عليماً قديراً) فاطر: 44.

وقال عز وجل: (وكان الله على كل شيء مقتدراً) الكهف: 45.

وقال تعالى: (إن يشأ يذهبكم أيها الناس ويأت بآخرين وكان الله على ذلك قديراً) النساء: 133.

وقال الإمام الصادق (عليه السلام): (من شبه الله بخلقه، فهو مشرك ومن أنكر قدرته، فهو كافر) (التوحيد، ص76، ب التوحيد ونفي التشبيه، ح31).

وقال أبو جعفر الباقر (عليه السلام): (إن الله عز وجل لا يوصف بعجز وكيف يوصف، وقد قال في كتابه: (وما قدروا الله حق قدره) الأنعام: 91. فلا يوصف بقدرة، إلا كان أعظم من ذلك) (المؤمن، ص30، ح55).

والقدرة ـ كما نرى المقدورات ـ واسعة المجال، تشمل الميكروب الصغير الذي تجمع ستة ملايين منه قطرة ماء ـ كما يقوله العلم الحديث ـ كما تشمل الشمس المشرقة التي هي أضعاف أضعاف الأرض.

فحدها لا يقف، ونطاقها لا يضيق، وإمكانياتها غير محدودة.

وليس معنى ذلك أن تخرج القدرة على منطقها المعقول، حتى يقول قائل: إن اجتماع الوجود والعدم في آن واحد غير مقدور.

ما أبدع جواب الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام): حين قال له قائل:

هل يقدر ربك أن يدخل الدنيا في بيضة، من غير أن تصغر الدنيا، أو تكبر البيضة؟

فقال (عليه السلام): (إن الله تبارك وتعالى لا ينسب إلى العجز، والذي سألتني لا يكون) (بحار الأنوار: ج4، ص143، ب4، ح10).

فإن المحال غير قابل، كما أن الإناء الصغير غير قابل لأن يأخذ أكثر من فضائه.

 

الحكيم

الحكيم: هو الذي يضع الأشياء مواضعها، فلا يعمل على خلاف المصلحة.

والله سبحانه يعمل بالحكمة، فلا يرتجل العمل بدون صلاح، ولا يخلق بدون إتقان، ولا يفعل بدون مراعاة الجهات.

الحكمة هي كنطاق لسائر الصفات، فالقدرة لولا الحكمة أكثر في الخلق، والعقاب لولاها أكثر في النزع، والرزق لولاها أكثر في الهطول، والتراب لولاها توسع على غير مدى..

لكن الحكمة هي المحددة لمقادير الصفات، وموازين الخلق والرزق.

ومن الحكمة: جعل الأشياء رهينة الأسباب، فالشجر لا ينمو في عشية أو ضحاها ويبلغ حد الكمال، والنطفة لا تتكون في الهواء، والولد لا يكون عالماً سوياً في ساعات، فكل يجري حسب الميزان، وإلا فالقدرة عامة تتمكن من الإبداع الآني.

إنا وإن لم نعرف كثيراً من الحكم، وربما اعترانا الشك في شيء من الكون، لكن إلقاء نظرة ثاقبة في بعض الخلق، كافٍ للإذعان بالحكمة.

ولهذا يجب أن نعترف بالصلاح في كل شيء، وإن لم ندرك وجه المصلحة، وجهلنا الحكمة المخصصة.

إن من ينظر إلى الطائرة، فيرى معظم أجهزتها، وكثيراً من أدواتها وآلاتها، ركّبت تركيب علم وصلاح، ثم لم يعرف وجه الحكمة في شيء من التركيب، يجدر به أن يضع النقص على إدراكه، لا على الطائرة..

ويشير القرآن الكريم إلى كونه تعالى حكيماً: قال تعالى: (كتاب أحكمت آياته ثم فصلت من لدن حكيم خبير) هود: 1.

وقال سبحانه: (وإنك لتلقى القرآن من لدن حكيم عليم) النمل: 6.

وقال عز وجل: (لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد) فصلت: 42.

ويشير إلى كونه في أعماله حكيماً: بقوله سبحانه: (ذلك نتلوه عليك من الآيات والذكر الحكيم) آل عمران: 58.

وقال تعالى: (يس والقرآن الحكيم) يس: 1-2.

وقد استعرض الإمام الصادق (عليه السلام) ـ في الحديث المشهور بـ(توحيد المفضل) ـ طرفاً من آثار الحكمة، وهي طويلة ممتعة، نذكر منها مقتطفاً:

قال (عليه السلام): (نبتدأ يا مفضل بذكر خلق الإنسان، فاعتبر به، فأول ذلك ما يدبر به الجنين في الرحم، وهو محجوب في ظلمات ثلاث، ظلمة البطن، وظلمة الرحم، وظلمة المشيمة، حيث لا حيلة عنده في طلب غذائه، ولا دفع أذى، ولا استجلاب منفعة، ولا دفع مضرة، فإنه يجري إليه من دم الحيض ما يغذوه، كما يغذو الماء النبات. فلا يزال ذلك غذاءه، حتى إذا أكمل خلقه، واستحكم بدنه، وقوى أديمه على مباشرة الهواء، وبصره على ملاقاة الضياء، هاج الطلق بأمه، فأزعجه أشد إزعاج، وأعنفه حتى يولد.

وإذا ولد، صرف ذلك الدم، الذي كان يغذوه من دم أمه، إلى ثدييها، فانقلب الطعم واللون إلى ضرب آخر من الغذاء، وهو أشد موافقة للمولود من الدم، فيوافيه في وقت حاجته إليه، فحين يولد، قد تلمظ وحرك شفتيه طباً للرضاع، فهو يجد ثدي أمه، كالأدواتين المعلقتين لحاجته إليه، فلا يزال يتغذى باللبن ما دام رطب البدن، دقيق الأمعاء، لين الأعضاء.

حتى إذا تحرك واحتاج إلى غذاء فيه صلابة، ليشتد ويقوى بدنه طلعت له الطواحن من الأسنان والأضراس، ليمضغ به الطعام...) (توحيد المفضل، ص48، المجلس الأول).

 

المريد

إن الإرادة تقابلها الإلجاء.

فالنار تحرق، لكن الحرق ليس بإرادتها.

والإنسان يمشي، ومشيه بإرادته.

إن الله عز وجل يفعل الأشياء عن إرادة، فهو يريد خلق الإنسان فيخلق، يريد شفاء شخص فيشفى، ويريد نمو النبات فينمو.

ويصوغ الكائنات في قوالبها التي يريدها، وفي الوقت الذي يريده، وفي المكان الذي يريده، لا ينازعه في ذلك منازع، ولا يلجئه إلى ذلك ملجئ.

وقد كان من حقه تعالى أن يجعل الذكر أنثى، أو يجعل الصحيح مريضاً.

ومن حقه: أن يخلق الذي خلقه في هذا الزمان، في زمان غابر، أو زمان مستقبل..

ومن حقه: أن يكون المخلوق الذي كوّنه هنا، هناك..

فجعل المخلوق في قالب دون قالب.

وخلقه في مكان دون آخر.

وتكوينه في زمان دون زمان، دليل على إرادته الشاملة التي تفيض على الأشياء، فيصوغها في صيغها التي يشاء، ويلبسها لباسها الذي يريد.

وقد أشار القرآن الحكيم إلى هذه الحقيقة:

قال تعالى: (إن يشأ يذهبكم أيها الناس ويأت بآخرين وكان الله على ذلك قديراً) النساء: 133.

وقال سبحانه: (ألم تر أن الله خلق السماوات والأرض بالحق إن يشأ يذهبكم ويأت بخلق جديد وما ذلك على الله بعزيز) إبراهيم: 19-20.

وقال عز وجل: (إنما قولنا لشيء إذا أردناه أن نقول له كن فيكون) النحل: 40.

وقال تعالى: (قل من ذا الذي يعصمكم من الله إن أراد بكم سوءاً أو أراد بكم رحمة ولا يجدون لهم من دون الله ولياً ولا نصيراً) الأحزاب: 17.

وقال الإمام الصادق (عليه السلام): (خلق الأشياء بالمشية..) (بحار الأنوار: ج4، ص145، ب4، ح20).

وقال له (عليه السلام) رجل: لم يزل الله تعالى مريداً، فقال (عليه السلام): (إن المريد لا يكون إلا المراد معه، لم يزل عالماً قادراً، ثم أراد) (الكافي: ج1، ص109، ح1).

والله كما يريد الخلق فيخلق، والصنع فيصنع..

كذلك يريد العمل الحسن من عباده، ويكره العمل السيئ منهم.

يقول القرآن الحكيم: (يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر) البقرة: 185.

وقال تعالى: (كل ذلك كان سيئه عند ربك مكروهاً) الإسراء: 38.

وقال الإمام الرضا (عليه السلام): (فإرادة الله تعالى ومشيئته فيها ـ أي في الطاعات ـ الأمر بها والرضا لها والمعاونة عليها وإرادته ومشيئته في المعاصي النهي عنها والسخط لها والخذلان عليها).

قال السائل: فلله عز وجل فيها قضاء؟

قال (عليه السلام): (نعم ما من فعل يفعله العباد من خير أو شر، إلا ولله فيه قضاء).

قال السائل: ما معنى هذا القضاء؟

قال (عليه السلام): (الحكم عليهم بما يستحقون من الثواب والعقاب في الدنيا والآخرة) (بحار الأنوار: ج5، ص11، ب1، ح18).

 

الخالق

الله خالق كل شيء، فما من صغير في منتهى الصغر، ولا كبير في غاية الكبر، إلا وخالقه الله، ليس له مشارك في خلقه، ولا ظهير في تكوينه.

هو خلق الشمس والقمر، وهو خلق النبات والحيوان، وهو خلق الأرض والسماء.

والإنسان في كثير مما يفعله إنما هو (مُعِدّ) لا غير.

فالإنسان إنما يباشر زوجه فقط، أما جريان الماء من الصلب والترائب إلى الرحم..

أما استقراره في مكان مكين..

أما نموه وصيرورته عظاماً وغضاريف، وأوردة وشرايين، وسمعاً وبصراً، ولساناً وشفةً..

أما دخول الروح فيه..

أما تجهيزه بالصفات والأحوال..

فكلها من الله.

والزارع إنما يحرث الأرض، ويدفن البذر، ويتعهد سقي الماء.

أما نمو النبات إلى أن يخرج من الأرض..

أما اخضرار أوراقه..

أما إخراج الثمار..

أما نضوجها.. فكلها من الله.

وهكذا نقول في كل ما نرى في الكون من كبير وصغير، ونامٍ وجماد، وسائل وجامد، وحي وميت..

يقول القرآن الحكيم: (الذي جعل لكم الأرض فراشاً والسماء بناءً وأنزل من السماء ماءً فأخرج به من الثمرات رزقاً لكم فلا تجعلوا لله أنداداً وأنتم تعلمون) البقرة: 22.

وقال سبحانه: (خلق الإنسان من نطفة فإذا هو خصيم مبين والأنعام خلقها لكم فيها دفء ومنافع ومنها تأكلون ولكم فيها جمال حين تريحون وحين تسرحون ... ويخلق ما لا تعلمون) النحل: 4-8.

وقال تعالى: (خلق السماوات والأرض بالحق) الأنعام: 73.

وقال عز وجل: (أو لم يروا أنا خلقنا لهم مما عملت أيدينا أنعاماً) يس: 71.

وقال سبحانه: (والله خلقكم من تراب ثم من نطفة ثم جعلكم أزواجاً) فاطر: 11.

وقال تعالى: (ذلكم الله ربكم خالق كل شيء لا إله إلا هو فأنى تؤفكون) غافر: 62.

وقال سبحانه: (سبحان الذي خلق الأزواج كلها مما تنبت الأرض ومن أنفسهم ومما لا يعلمون) يس: 36.

وربما يدور في خلد بعض الناس أن الله ليس بخالق لمثل البق الذي يتكون في المستنقعات! لكن هذا زعم بعيد!

إن الله جعل لكل شيءٍ سبباً، فكما جعل سبب تكون الإنسان زوجاً وزوجة، وسبب تكون النبات أرضاً وماءً وبذوراً وضياءً..

كذلك جعل سبب تكون البعوض المستنقعات، وسبب تكون الجراثيم القاذورات والنفايات.

دخل ابن أبي العوجاء على أبي عبد الله الصادق (عليه السلام) فقال: أليس تزعم أن الله خالق كل شيء؟

فقال أبو عبد الله (عليه السلام): بلى.

فقال له: أنا أخلق!

فقال (عليه السلام): كيف تخلق؟

قال: أُحدث في الموضع، ثم ألبث عنه، فيصير دواباً، فأكون أنا الذي خلقتها.

فقال أبو عبد الله (عليه السلام): أليس خالق الشيء يعرف كم خلقه؟

قال له: بلى.

قال (عليه السلام): فتعرف الذكر منها من الأنثى؟! وتعرف كم عمرها؟!! (بحار الأنوار: ج3، ب3، ح24).

إن منتهى ما في اختيار الإنسان أن يحدث السبب، كأن يصب الماء في مكان قذر، أما أنه يخلق شيئاً، فلا يمكن.

 

 

العدل الإلهي


قد يرى الشخص إنساناً يجور في الحكم، فيسأل عن سبب جوره؟

والجواب على ذلك:

1- إنه جاهل، لا يعرف وجه الحق، ولهذا يجور.

2- إنه يتوخى بهذا الجور جلب نفع إلى نفسه، فإن المبطل يرشيه ـ مثلاً ـ ولهذا يجور.

3- إنه يريد بذلك دفع ضرر المبطل، إذ لو لم يحكم له ضرّه، فيجور فراراً عن الضرر.

4- إنه يميل نحو المبطل، فإنه قريب أو صديق.. له، ولهذا يجور.

5- إنه خبيث يحب الباطل، ويكره الحق.

هذه أجوبة تقع في السؤال عن علة الجور في الحكم، ومثل هذه الأجوبة تقع في السؤال عن علة الجور في سائر الشؤون.

فمن يقدم الرجل المستحق للتأخير، على العالم المستحق للتقديم، لابد وأن يكون لأحد هذه الأسباب.

ومن يحترم من لا يستحق الاحترام، ولا يحترم المستحق له، لا يكون إلا عن إحدى هذه العلل.

6- وهناك سبب سادس للجور: وهو العجز، فإن من يسبّ أحداً لأنه سلبه شيئاً، أو غلظ عليه.. يكون عاجزاً، وإلا استوفى الحق، بدون أن يجنح إلى باطل.

هذه هي أسباب الجور، وعدم العدل.

فهل يتوفر سبب من هذه الأسباب بالنسبة إلى الله، حتى يجور؟

كلا!

إنه تعالى ليس بجاهل، ولا يحتاج إلى جلب نفع، أو دفع ضرر، ولا يميل إلى أحد، بل كلٌّ عبيده، ولا قرابة ولا صداقة بينه وبين أحد، ولا يتطرق في ذاته في زيغ أو فساد، وليس بعاجز.

فلم يظلم؟

إن عدل الله واسع، وليس بمعناه الضيق الذي يتبادر إلى الأذهان.

هو عادل في بريته: فلا يحكم جوراً.

عادل في قضائه: فلا يُغنِي ولا يُفقر ولا يُشفي ولا يُمرض ولا يُميت ولا يُحيي ولا يُعزّ ولا يُذل ولا يعطي ولا يمنع ولا.. إلا بالعدل.

عادل في جزائه: فلا يُثيب ولا يُعاقب، ولا يُكرم ولا يُهين.. إلا بالعدل.

عادل في خلقه: فلم يخلق الشمس المضيئة ولا القمر البازغ ولا النجم الزاهر ولا البحر المائر ولا الأرض الفسيحة ولا النبات والحيوان والإنسان ولا.. إلا بالعدل.

عادل في أمره ونهيه: فلم يأمر بالواجب ولا يحبذ المندوب ولم ينه عن الحرام ولم يكره المكروه ولم يُبح الحلال.. إلا بالعدل.

إن الفكر الضيق قد لا يدرك وجه العدل في شيء، لكن الذنب من ضيق أفق التفكير لا من ضيق العدل، قد نرى الصبي يضيق ذرعاً بالدواء لجهله بمنافعه، فيسبّ الطبيب، لكن الذنب يعود إلى فكر الطفل لا إلى علاج الطبيب.

إنا لا نعرف وجه الصلاح في كثير من الأمور، لكن هل معنى ذلك أن ننكر الصلاح؟

كلا!

يكفي في الإذعان بالعدل، ما نعرف من العدل فيما علمناه!

إن الشخص إذا جهل وجه الصلاح فيما يعين له الطبيب، لا يحق له أن ينكر عدل الطبيب، والحال أنه يرى عدله فيما يعلم، فجهله بكثير من الأدوية، لا يبرّر رميه الطبيب بالظلم، لأنه أوقعه في مشقة العلاج!

يقول القرآن الحكيم: (ذلك بما قدمت أيديكم وأن الله ليس بظلام ـ أي بذي ظلم ـ للعبيد) آل عمران: 182.

وقال تعالى: (إن الله لا يظلم مثقال ذرة وإن تك حسنة يضاعفها ويؤت من لدنه أجراً عظيما) النساء: 40.

وقال سبحانه: (ولا يظلمون فتيلاً) النساء: 49.

وقال عز وجل: (فما كان الله ليظلمهم ولكن كانوا أنفسهم يظلمون) التوبة: 70.

وقال تعالى: (وما ظلمهم الله ولكن كانوا أنفسهم يظلمون فأصابهم سيئات ما عملوا) النحل: 33-34.

وقال سبحانه: (وما الله يريد ظلماً للعباد) غافر: 31.

وقال تعالى: (اليوم تجزى كل نفس بما كسبت لا ظلم اليوم إن الله سريع الحساب) غافر: 17.

وسئل أمير المؤمنين (عليه السلام) عن التوحيد والعدل؟ فقال (عليه السلام): (التوحيد أن لا تتوهمه، والعدل أن لا تتهمه) (خصائص الأئمة: ص124).

وسئل الصادق (عليه السلام) عن العدل؟ فقال (عليه السلام): (أما العدل فأن لا تنسب إلى خالقك ما لامك عليه) (التوحيد: ص96، ح1، باب التوحيد والعدل).

وقال (عليه السلام): (... ولا أمره ـ أي العبد ـ بشيء، إلا وقد علم أن يستطيع فعله، لأنه ليس من صنعته الجور والعبث والظلم، وتكليف العباد ما لا يطيقون) (الاحتجاج: ص341).

وفي حديث: (.. بالعدل قامت السماوات).


 

القضاء والقدر


• للقضاء والقدر ثلاثة مواضع:

1- قضاء وقدر في التكوين: بمعنى أن الله تعالى قضى خلق الأفلاك وقدر أقوات البرية، وكذلك كل ما في الكون من الوجود فهو بقضاء الله وقدره، لا يحيد الكون عن إرادته وتقديره قدر شعرة، وهذا أمر معلوم يؤمن به كل من آمن بوجود الله تعالى.

2- قضاء وقدر في التشريع: بمعنى أن الله شرع الدين، فأمر ونهى، وندب وحذّر، وأوجب وحرم، فوجوب الصلاة بقضاء الله، وحرمة الخمر بقضائه..

3- وقضاء وقدر في أعمال الناس: بمعنى أن الله تعالى قضا أعمال الناس وقدر، وهذا يتصور على وجوه:

أ- أمر بالحسن، ونهي عن القبيح، وهذا معلوم لا غبار عليه.

ب- علم ما يعلمه العباد: من خير وشر، وطاعة ومعصية، وهذا بديهي، بعد ما علمنا أن الله تعالى عالم بكل معلوم، لا يعزب عنه شيء في الأرض ولا في السماء.

ج- أجبر العباد على أعمالهم، فلا يتمكن الإنسان من عمل، وليس هو مختار فيما يعمل، وهذا شيء تحكم البداهة بكذبه لأنا نعمل الأعمال باختيارنا، فإن شئنا أحسنا، وإن شئنا أسأنا.

يقول القرآن الحكيم في صدد القسم الأول: (ثم استوى إلى السماء وهي دخان فقال لها وللأرض ائتيا طوعاً أو كرهاً قالتا أتينا طائعين فقضاهن سبع سماوات في يومين وأوحى في كل سماء أمرها وزينا السماء الدنيا بمصابيح وحفظاً ذلك تقدير العزيز العليم) فصلت: 11-12.

ويقول في صدد القسم الثاني: (وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه وبالوالدين إحساناً) الإسراء: 23.

ويقول في صدد القسم الثالث - أ -: (وأقيموا الصلاة) البقرة: 43، و(آتوا الزكاة) المجادلة: 13، (إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى) النحل: 90، (ولا يغتب بعضكم بعضاً) الحجرات: 12، (ولا تجسسوا) الحجرات: 12. إلى غير ذلك من الآيات الآمرة بالحسن، والناهية عن القبيح.

ويقول في صدد القسم الثالث - ب -: (يتنزل الأمر بينهن لتعلموا أن الله على كل شيء قدي وأن الله قد أحاط بكل شيء علماً) الطلاق: 12، وغيرها.. مما يدل على علم الله تعالى، وقد سبق الإشارة إلى أنه عالم بكل شيء.

ويقول في صدد القسم الثالث - ج -: (سيقول الذين أشركوا لو شاء الله ما أشركنا ولا آباؤنا ولا حرمنا من شيء كذلك كذب الذين من قبلهم حتى ذاقوا بأسنا قل هو عندكم من علم فتخرجوه لنا إن تتبعون إلا الظن وإن أنتم إلا تخرصون قل فللّه الحجة البالغة) الأنعام: 148-149.

فالخلق: لله وحده، لا يشرك فيه أحد.

والتشريع: أي سن القوانين، لله وحده، لا ينبغي لأحد أن يضاد تشريعه.

وعمل العبد:

1. حسن، يأمر به الله، وقبيح، ينهى عنه.

2. يعلمه الله.

3. هو باختيار الشخص: إن شاء فعل وإن شاء لم يفعل.


 

الجبر والاختيار


الجماد لا خيرة له، فلو رميته من فوق، جذبه طبعه إلى الأرض، والنبات لا خيرة له، ينمو تحت عوامل الحرارة والضوء والتراب.

والمياه لا خيرة لها، تركد إذا لم تجد مسيلاً، وتسيل إذا وجدت مسرحاً.

والشمس والقمر، والنجوم والسحاب، و.. كلها تجري بتقدير العزيز العليم، حسب موازين القدرة العليا.

والإنسان له ناحيتان:

1- ناحية التكوين، ويشترك في هذه الجهة مع سائر الموجودات، فالدورة الدموية، وحركة القلب والرئة، وتصفية الكبد، وطبخ المعدة و.. و.. كلها خاضعة للقانون العام الذي أودعه الله تعالى في الجسم.

2- ناحية الإرادة، والإنسان من هذه الجهة حر مختار.. يأكل حيث أراد، ويشرب أنى شاء، ويمشي كيف شاء، ويعمل ويفكر، وينظر ويغمض، ويحسن ويسيء، كل ذلك حسب إرادته ومشيئته.

إن من يزعم: أن الإنسان مجبور في عمله، كالحجر المرمي، والنبات النامي، يصادم البديهة. ولو كان الإنسان مجبوراً في عمله، لكانت القوانين والمحاكم، والأنظمة و.. و.. كلها لغواً. ولا يقول بذلك إلا من كان بعيداً عن الإنسانية.

الحيوان: مختار في كثير من أعماله - كما نشاهد - فكيف بالإنسان الذي هو أرقى من الحيوان وأرقى؟

يقول القرآن الحكيم: (وقل الحق من ربكم فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر) الكهف: 29.

وقال تعالى: (قل يا أيها الناس قد جاءكم الحق من ربكم فمن اهتدى فإنما يهتدي لنفسه ومن ضل فإنما يضل عيها وما أنا عليكم بوكيل) يونس: 108.

وقال سبحانه: (إنا هديناه السبيل إما شاكراً وإما كفوراً) الإنسان: 3.

وقال عز وجل: (وهديناه النجدين) البلد: 10.

وقال تعالى: (وقل اعلموا فسيرى الله عملكم ورسوله والمؤمنون) التوبة: 105.

وفي المقام حديث ظريف، في تفسير معنى القضاء والقدر، ويوضح الاختيار.

عن الحسين بن علي (عليهما السلام) قال: دخل رجل من أهل العراق على أمير المؤمنين (عليه السلام) فقال: أخبرنا عن خروجنا إلى أهل الشام: أبقضاءٍ من الله وقدر؟

فقال له أمير المؤمنين: أجل يا شيخ! فوالله ما علوتم تلعة، ولا هبطتم بطن واد، إلا بقضاء من الله وقدر.

فقال الشيخ: عند الله احتسب عنائي، يا أمير المؤمنين!

فقال: مهلاً يا شيخ! لعلك تظن قضاءً حتماً، وقدراً لازماً لو كان كذلك، لبطل الثواب والعقاب، والأمر والنهي والزجر، ولسقط معنى الوعد والوعيد، ولم تكن على مسيء لائمة، ولا لمحسن محمدة، ولكان المحسن أولى باللائمة من المذنب، والمذنب أولى بالإحسان من المحسن. تلك مقالة عبدة الأوثان، وخصماء الرحمن، وقدرية هذه الأمة ومجوسها.

يا شيخ! إن الله عز وجل كلف تخييراً، ونهي تحذيراً، وأعطى على القليل كثيراً، ولم يُعصَ مغلوباً، ولم يُطع مكرهاً، ولم يخلق السماوات والأرض وما بينهما باطلاً، (ذلك ظن الذين كفروا فويل للذين كفروا من النار) سورة ص: 27- .

قال فنهض الشيخ وهو يقول:

يوم النجاة مـن الرحمن غفرانا

جـــزاك ربــــك عنا فيه إحسانا

قد كــنت راكبها فسقاً وعصيانا

فيها، عبدت إذن يا قوم شيطانا

قتل الولــــــي له ظلماً وعدوانا

ذو العرش أعـلن ذاك الله إعلانا

 

أنــت الإمــام الذي نرجو بطاعته

أوضحت من ديننا ما كان ملتبساً

فلــيس معــذرة فـي فعل فاحشة

لا.. لا.. ولا قائلاً نــاهيه: أوقـعه

ولا أحب، ولا شاء الفسوق، ولا

أنى يجب؟ وقد صمـت عزيمــته

التوحيد: ص381، ح28.

وفي حديث (التوحيد: ص382، ح28): فقال الشيخ: يا أمير المؤمنين! فما القضاء والقدر: الذين ساقانا وما هبطنا وادياً، وما علونا تلعة، إلا بهما؟

فقال أمير المؤمنين (عليه السلام): الأمر من الله، والحكم، ثم تلا هذه الآية (وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه وبالوالدين إحساناً) الإسراء: 23.

وقد يزعم بعض الناس: أنه لا يفيد العمل، وقضاء الله سابق، وقدره حتم!

ولننظر إلى القرآن: كيف يرد هذا القبيل من الكسالى:

قال تعالى: (ليس للإنسان إلا ما سعى وأن سعيه سوف يرى) النجم: 39-40.

وقال سبحانه: (كل امرئ بما كسب رهين) الطور: 21.

وقال عز وجل: (وقل اعملوا فسيرى الله عملكم ورسوله والمؤمنون) التوبة: 105.

وقد كانت الأنبياء (عليهم السلام) ـ وهم أعلم الناس بالقضاء والقدر ـ يعملون طوال حياتهم ويكدحون ويتعبون.. وكذلك الأئمة المهديون (عليهم السلام)، والأولياء الصالحون. فليس الاتكال على القضاء، إلا كذبا وكسالة، وشركاً من الشيطان.

 

 

 

النبوة


 

النبي (صلى الله عليه وآله)


أرأيت الأنظمة الفاسدة: التي تدير دفتها الحكومات؟

أرأيت الحروب الطاحنة، والأغلال التي على الناس، من جراء القوانين المدنية؟

هل فكرت يوماً: في أن إنساناً واحداً، كم تضغط عليه العائلة والبيئة والحكومة، وكم سلبت راحته العادة والعرف؟

هل فكرت: أن الإنسان ـ وهو حر ـ مغلولة يداه، مقيدة رجلاه مطوّق عنقه، على كل من لسانه وعينه وأذنه.. رقباء، وثم لا ترجع المنفعة إليه، وإنما قيدته بهذه القيود الجهل والاستعباد والاستغلال؟

الإنسان مسكين! وأي مسكين!

إنه ينشأ في ظلمات الرحم، ثم يقيد بالمهد.. فإذا شب وزعم أنه تخلص من السجون، فإذا بكابوس الجهل والفقر، وضغوط المرض والأنظمة الفاسدة، تحيط به من الجهات الست.

فهو من سجن، إلى سجن، إلى سجن، إلى أن يُقبر!

إن الله خلق العالم بميزان عادل، وقسطاس مستقيم، فجعل لكل شيء صلاحاً، ولكل حركة وسكون نظاماً، فلو حاد عن ذلك النظام، وزاغ عن القانون العام، لكرّ فاسداً مفسداً.

ولا يعرف هذا النظام إلا هو، أو من جعل أزمته بيده، وعرّفه مفاتيحه، (وعنده مفاتح الغيب لا يعلمها إلا هو) الأنعام: 59.

والأنبياء هم وحدهم يعرفون سنة الله في الخلق، فهم يعرفون الصلاح والفساد، والرقي والانحطاط، والتقدم والتأخر، والذهاب والتقهقر.

وأما من سواهم، فلا يعرفون عن النظام الصالح شيئاً، فلو كفلوا وضع الأنظمة، وتقنين القوانين، فسدوا وأفسدوا، وساد الهرج، وعمّ الفوضى والظلم، ونجمت الحروب وانتثر عقد الاجتماع.

لو فرضنا أن أفراد الإنسان كأجهزة الماكنة الواحدة، قلنا:

كما أن آلات الماكنة المتبددة، لا يتمكن من تركيبها على نحو الصلاح، ومقتضى الصنعة الأولية لها، إلا المهندس الخبير، العارف بكيفية التركيب والنصب، حتى لو تكفل جاهل ذلك ـ مهما أوتي من مال وسلطان ـ لم يرجع إلا بإيقاف الماكنة وشلّها عن الحركة والإنتاج. ولو أخذنا: أنه تمكن من تركيبها تركيباً ناقصاً، عاد الأمر إلى خراب الآلات، وضآلة الإنتاج.

كذلك أفراد البشر: هم كأجزاء تلك الماكنة، يلزم وضع كلٍّ موضعه، وتوجيه كلٍّ إلى ما فيه صلاح المجموعة البشرية، وتحت نظام دقيق، وميزان عادل، فيلزم أولاً صوغ الفرد في قالب الكمال، حيث يصلح أن يكون عضواً في المجتمع، ثم تنظيم العائلة تنظيماً صحيحاً، يعود كل فرد منهم جزءاً بناءً للعائلة، ثم تكوين الدولة التي تضم تحت جناحها شتيت العوائل، بسن قوانين الخير والصلاح، والرقي، والهيمنة على المذاهب البشرية، حتى يجري كل حسب المتوخى من العدل والإحسان.

والمنظم لمثل هذه الأمور لا يكون إلا الخالق، الذي يعرف الخير والشر، والحسن والقبيح، والصلاح والفساد، والعدل والجور.. لأنه هو الذي خلق وربى، وأبدع وعلم بما في الضمائر، من الغرائز والصفات، والنزعات والإمكانيات.

والمبلغ عن الله ليس إلا النبي الذي يوحى إليه، أو خلفاؤه المهديون، وأوصياؤه المؤتمنون.

وقد رأينا في تاريخ الإنسان الطويل أن كل جيل أخذوا بهدي الأنبياء وسلكوا الطريق المستن لهم بنور الوحي، قل بل عدم فيهم الشرور، وعاشوا في رفاه ودعة.

وكل أمة رفضت الرضوخ لحكم المرسلين، وثنت عطفها عن متابعة الأنبياء، تاهت في فيافي الظلم والاعتساف، والفوضى والهرج، وكان عاقبة أمرها خسراً.

ويكفي دليلاً على المطلب مثال واحد:

إن المسلمين الذين أخذوا ببعض تعاليم الإسلام، رأيناهم وقد حلّقوا إلى المستوى الرفيع، وسادوا العالم في أقل من نصف قرن، وصلح أمرهم، واجتمع شملهم، وارتفع قدرهم، وظهر عزهم، وبانت شوكتهم، واستراحوا من أكثر الأغلال الاجتماعية التي كانت عليهم، فحلّقوا والغرب يئن تحت نير الاضطهادات، في ظلم وقسوة وهمجية، يستغيثون فلا يغاثون، ويستجيرون فلا يجارون، يسود فيهم الفوضى والطغيان، ويحكمهم طواغيت الأرض، ويسفك دماءهم جراثيم الأمم، ويستذلهم طغمة الملوك.. حتى أخذوا قبل قرن بشيء من تعاليم الإسلام ـ من حيث يشعرون أو لا يشعرون ـ فاستراحوا وأراحوا، وانتظم نوعاً ما أمرهم وساد فيهم الصلاح والعدل، قدر ما أخذوا من التعاليم.

ولست أنا أقول هذا.. إن جورج جرداق ـ وهو نصراني لا يدين بدين الإسلام ـ يذكر في كتابه: (صوت العدالة الإنسانية):

أن علياً (عليه السلام) وهو عبد من عبيد محمد (صلى الله عليه وآله) ـ على حد تعبير الإمام نفسه ـ سبق مفكري فرنسا أم الحضارات في وضع وثيقة حقوق الإنسان باثني عشر قرناً تقريباً، بل فضل عليهم، في جودة القانون، وإتقان النظام.

ثم نرى: فرنسا هذه، حيث تحيد عن قانون الحق، التي تدعي أنها وضعت صيغته، فقبل قرن تغلب عليها الوحشية والسبعية، والقساوة فتسوق الألوف من الجزائريين إلى المجازر الرهيبة، وتخمد صوت الحق بالحديد والنار.

نعم.. الأنبياء (عليهم السلام) هم الوحيدون في إمكان جعل النظام العادل، وهم وحدهم جعلوا هذا النظام للإنسانية، على ضوء الوحي من خالق الإنسانية.

ونحن لو لاحظنا النظم الحاضرة التي تسود البلاد، ثم لاحظنا النظم الإسلامية لرأينا البون شاسعاً والفرق كثيراً، ولرأينا أن أكثر هذه الحروب الباردة والحارة، التي تهلك الحرث والنسل، وتشتعل في كل فترة، إنما هي بسبب انحراف الناس عن هدي الأنبياء، واستبدادهم في الجعل والتنظيم وسن القوانين ووضع الأنظمة.

ولعرفنا أن الدين لو كان سائداً، وهدي الأنبياء حاكماً، لعاش الناس في جو من الحق والعدل، والهدوء والسلام، والأخوة والصفاء...

ثم إن العراقيل التي تأخذ بالأكظام، والمشاكل التي تترى على الإنسان في هذه الأوقات، من ضغط واستعباد واستذلال، ما هي إلا ولائد الأنظمة الفاسدة والقوانين الجائرة الحائدة عن هدي المرسلين، وهداية إله الخلق.

فليرزح الإنسان في أثقال الجهل والفقر والمرض، والفوضى والحروب والمشاكل، حتى يرجع إلى رشده، ويعرف صوابه، ويأخذ بقوانين السماء، وينبذ قوانين الجبابرة.

وسيأتي يوم ذلك وهو قريب.


 

 

القوانين والدين


هناك فرقان جوهريان بين قوانين الأرض وأحكام السماء.


1
. إن قوانين الأرض، تضعها ـ في أحسن الفروض ـ زمرة من الخبراء الذين يحبون خير البشر، ولكن:


2
. هل نظرهم مأخوذ عن جميع الأفراد المتشتتة في شرق الأرض وغربها، أم مأخوذ عن أفراد بيئتهم الذين هم بعض أفرادها، فيحسون بأحاسيسهم فقط، ويرون في نطاق رؤيتهم؟

هل فكرٌ مستقى من جميع الظروف والأزمنة، التي تعاصرهم وتأتي في المستقبل، أم مستقى من ظرفهم الملابس، وزمانهم الخاص؟

هل هم معصومون عن الأخطاء؟ وهل علمهم يستوعب جميع الجهات؟

إنها أسئلة تعترض في هذا المقام.. والجواب:

إن فكرتهم مستقاة عن جيل معين، وزمان محدود، ودرايتهم غير معصومة تخطأ مرة وتصيب مرة.

وفي هذه الحالة، كيف يمكن الركون إلى فكرهم، وتحكيم قوانينهم.

دع عنك أن غالب المقننين تحكم عليهم الإنسانية، وحب السلطة والقومية، وتميل طباعهم نحو الجور والعسف، مما يزيغ بالقانون حتى عن نصابه الممكن.

وكثيراً ما لا يوجد شيء من هذه الميول والاتجاهات في المقنن ولكن هناك رقيب عليه من سلطة عليا.. كما رأينا كثيراً في السلطات الديكتاتورية، التي كانت توجه البرلمان كيفما شاءت.

أو ينحرف عن الأكثرية، التي تتجه نحو ميولها ورغباتها المشبعة.

وهذا: بخلاف الدين.

فإن مشروعه وواضع نظامه هو الله، الذي لا ينظر إلى جيل دون جيل، أو زمان غير زمان، أو بيئة لا سواها.

ولا تزيغه الأهواء والميول. ولا يجهل الصلاح.

وهو تعالى ـ بعد هذا وذاك ـ أرأف بعباده من كل أحد.

ولذا يكون حكمه هو الصلاح، وشريعته هي العدل، ونظامه هو الحق، (فماذا بعد الحق إلا الضلال) يونس: 32.


3
. قوانين الأرض تعني بحاجة الجسد، وحاجة الجسد فقط.. فهي موضوعة للبيع والشراء، والزواج والطلاق، والرهن والإجارة، والتعليم والصناعة، والزراعة والري، والسرقة والتهريب.

وذلك بخلاف قوانين السماء: فهي معنية بالجسد والروح معاً.. فهي كما تعني بالزواج والطلاق، تعني بالحب والطهارة.

وكما تلاحظ البيع والشراء، تلاحظ حب الخير للطرف الآخر.

وكما تحث على التعليم، تحث على الخلوص وصفاء القلب.

وكما تحبذ الزرع، تحبذ التجويد والتوكل.

ثم تضع شطراً سخياً لطهارة القلب من الكبر والحسد، والأنانية وحب الذات، وحب الظهور وحب السلطة.. ولتحلّيه بالإخلاص والعطف، واللين وحب الخير، وكراهة الشر.

ولطهارة اللسان عن الكذب والغيبة والنميمة، والغمز والهذر.

ولطهارة البطن والفرج عن مال الحرام، والزنا، واللواط، والسحق..

ولطهارة اليد..

ولطهارة الرجل..

ولطهارة الأذن..

ولذا نرى: أن القانون جامد لا روح له.

والدين: حي يتحرك وينمو، ويزهر ويثمر.

ومن سبر تاريخ الإنسان رأى أن كل مجتمع ساده الدين، عاش في ظلال الأمن والعدل، والراحة والرفاه. وكثرت فيه المساواة والأخوة، والعطف والحنان..

وبالعكس من ذلك المجتمع الذي نزح عن الدين، ففيه القساوة بأقصى درجاتها، والفوضى والعسف، والفساد والشر.


 

الأنبياء ونبي الإسلام (صلى الله عليه وآله)


إن شرائع الله لا تختلف في جوهرها وحقيقتها، وإن اختلفت في صيغها وبعض كيفياتها، إن الأنبياء كلهم أخوة، وإن تعددت أمهاتهم، واختلف آباؤهم.

فآدم، ونوح، وإبراهيم، وموسى، وعيسى، ومحمد (صلوات الله عليهم أجمعين)، إنما جاءوا من قبل إله واحد، وكانت دعوتهم واحدة، وغايتهم واحدة، وسلوكهم واحد.

كلٌّ يأمر بالخير، وينهى عن الشر.

وكلٌّ يدعو إلى الله الحق، ويحث على العدل.

أساس علمهم الوحي، وملاك أمرهم إيقاظ الضمير، وعماد دعوتهم الحق. أولهم يصدّق آخرهم، وآخرهم يصدّق أولهم، وأوسطهم يصدّق الأول ويدعو للأخير.

لذا نرى: أنه لا اختلاف بينهم جوهرياً، وإن حرّف المحرفون وحوّر الدخلاء ولعبت الأهواء.

هذا هو الفارق الوحيد، بين الأنظمة الأرضية: سواء وضعها الحكماء والفلاسفة، أو البرلمانات ومجالس القانون، أو السلطات الاستبدادية.

وبين الأحكام السماوية، التي هي كالبنيان المرصوص، يشد بعضه بعضاً، ويؤيد أحده الآخر.

يقول القرآن الحكيم: (أم كنتم شهداء إذ حضر يعقوب الموت إذ قال لبنيه ما تعبدون من بعدي قالوا نعبد إلهك وإله آبائك إبراهيم وإسماعيل وإسحاق إلهاً واحداً ونحن له مسلمون) البقرة: 133.

وقال تعالى: (قولوا آمنا بالله وما أنزل إلينا وما أنزل إلى إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط وما أوتي موسى وعيسى وما أوتي النبيون من ربهم لا نفرق بين أحد منهم ونحن له مسلمون فإن آمنوا بمثل ما آمنتم به فقد اهتدوا وإن تولوا فإنما هم في شقاق فسيكفيكهم الله وهو السميع العليم صبغة الله ومن أحسن من الله صبغة ونحن له عابدون) البقرة: 136-138.

 

 

الإمامة


من هو الإمام؟

وما هي صفاته؟

ومن يعينه؟

وما سمته وعلائمه؟

هذه أسئلة جديرة بالمطالعة:


1
- الإمام (عليه السلام) هو خليفة الرسول (صلى الله عليه وآله) - فيما كان للرسول - من عزل ونصب وسلطان وشأن، وحفظ للدين، وتبليغ للأحكام، وطهارة وقداسة.

منتهى الأمر أن الرسول يخبر عن الله تعالى والإمام يخبر عن الرسول (صلى الله عليه وآله).


2
- صفات الإمام هي صفات الرسول (صلى الله عليه وآله) - غالباً - فكل منهما، عالم، ورع، شجاع، جواد، حسن الأخلاق، لطيف الشمائل، طاهر النفس، معصوم - وسيأتي معنى العصمة - غيور، ملتزم بالأحكام، عامل بما يقول، زكي الجوارح..


3
- يعين الإمام (عليه السلام)، الرسول (صلى الله عليه وآله)، بأمر من الله عز وجل.


4
- علائم الإمام كثيرة، لكن من أبرزها أن يكون أفضل أهل زمانه، حتى لا يفضل عليه في منقبة، ولا يعلو عليه أحداً في صفة، فهو الكامل وغيره ناقص.

هذه هي الأمور الأساسية في الإمام (عليه السلام)، ويتبع كل أمر منها مباحث نشير إلى أصولها إشارة إجمالية.


 

من هم الأئمة؟


الأئمة الذين عينهم رسول الله (صلى الله عليه وآله) اثني عشر:

1- الإمام أمير المؤمنين، علي بن أبي طالب (عليه السلام).

2- الإمام المجتبى، الحسن بن علي (عليه السلام).

3- الإمام الشهيد، الحسين بن علي أبو عبد الله (عليه السلام).

4- الإمام السجاد، علي بن الحسين زين العابدين (عليه السلام).

5- الإمام الباقر، محمد بن علي (عليه السلام).

6- الإمام الصادق، جعفر بن محمد (عليه السلام).

7- الإمام الكاظم، موسى بن جعفر (عليه السلام).

8- الإمام الرضا، علي بن موسى (عليه السلام).

9- الإمام التقي، محمد بن علي الجواد (عليه السلام).

10- الإمام النقي، علي بن محمد الهادي (عليه السلام).

11- الإمام العسكري، حسن بن علي (عليه السلام).

12- الإمام الحجة، المهدي بن الحسن (عليه السلام).

أما الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام)، فهو ابن عم النبي محمد (صلى الله عليه وآله). وأما بقية الأئمة، فهم أبناء أمير المؤمنين (عليه السلام) - من جهة الأب - وأبناء النبي (صلى الله عليه وآله) منم جهة فاطمة (عليها السلام).

وفاطمة (عليها السلام)، هي بنت النبي محمد (صلى الله عليه وآله) ولها من الفضائل، ما للأئمة (عليهم السلام)، بل هي أفضل منهم - كما في الأحاديث. (راجع مقدمة كتاب (من فقه الزهراء عليها السلام) المجلد الأول، للإمام الشيرازي (دام ظله)).


 

ما هي صفات الإمام؟


إذا جمعنا صفات الإمام (عليه السلام) في كلمة موجزة.

قلنا: الإمام هو أفضل أهل زمانه. وليس هذا فحسب، بل لا يكون أحد ممن تجب عليه طاعة (صلى الله عليه وآله) أفضل منه.

إن الإمام (عليه السلام) خليفة الله وخليفة رسوله، وكيف ينتخب الله والرسول (صلى الله عليه وآله) شخصاً، وفي الأمة من هو أفضل منه؟